ابن كثير
307
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الخبر الهائل المفظع الباهر ، قال قتادة وابن زيد : النبأ العظيم البعث بعد الموت وقال مجاهد : هو القرآن « 1 » . والأظهر الأول لقوله : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر . ثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد . ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أي ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة وَالْجِبالَ أَوْتاداً أي جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها . ثم قال تعالى : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني ذكرا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [ الروم : 20 ] وقوله تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [ الفرقان : 47 ] وجعلنا الليل لباسا أي يغشى الناس ظلامه وسواده كما قال : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس : 4 ] وقال الشاعر : [ الطويل ] فلما لبسن الليل أو حين نصّبت * له من خذا آذانها وهو جانح « 2 » وقال قتادة في قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي سكنا ، وقوله تعالى : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي جعلناه مشرقا نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك . وقوله تعالى : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى : وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم . وقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً قال العوفي عن ابن عباس : الْمُعْصِراتِ الريح « 3 » ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال : الرياح ، وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 395 . ( 2 ) البيت لذي الرمة في ديوانه ص 897 ، وأدب الكاتب ص 214 ، والخصائص 2 / 365 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 582 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 12 / 398 .